الأرشيف

السمنة في الخليج

المقالات  :  الأربعاء 1 يونيو 2011

ا تأتي المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين والكويت في المراكز الثالثة والرابعة والسادسة والسابعة على التوالي في قائمة أعلى الدول التي يعاني البالغين فيها من مرض السمنة. وتنتشر السمنة في الخليج العربي بنسب تصل الى 60 %، مما يجعلها وباء منتشرا بصورة رهيبة يستدعي التدخل العاجل للسلطات في هذه المنطقة. ومن المعروف أن السمنة مقدمة للاصابة بأمراض غاية في الخطورة منها السكري وأمراض القلب والأوعية الدمية والمفاصل وأمراض الكبد بل ويصل الأمر الى الاصابة بالسرطانات المختلفة. وبالفعل تأتي منطقة الخليج في مقدمة المناطق المصابة بمرض السكري بنسب كبيرة يمكن أن تعوقل خطط التنمية في بلاد المنطقة.

وفي رأيي الشخصي يرجع سبب انتشار السمنة بالمنطقة الى الابتعاد عن الأغذية التقليدية التي تنتجها موارد المنطقة من أسماك وتمر وحليب إبل ولحومها، والالتجاء لأغذية مستوردة من كل بلاد العالم قد تناسب أماكن انتاجها لكنها ليست مناسبة بالضرورة لإنسان الخليج، وهذه الأغذية قد تناسب أماكن تختلف مناخيا وجغرافيا مثل الأغذية الدهنية والسكرية والنشوية. كما أن هجمة مطاعم الأغذية السريعة الواردة من الغرب لها دور مؤثر على انصراف الصغار عن المأكولات التقليدية للخليج، وأيضا لعلها مسئولة عن انصراف المرأة الخليجية عن تولي مسئولية اعداد الطعام للأسرة.

ولعل العولمة هي السبب الذي نوجه اليه اتهامنا بالسمنة في العالم كله، فتحول العالم الى قرية واحدة أدي الى زيادة وزن كثير من الناس في العالم كله، إذ قد اعتاد الناس في الماضي على تناول الطعام الذي تنتجه بلادهم الذي يتغير بتغير الفصول. فتنبت الأرض في الصيف محاصيل محددة، يتناولها الناس في وقتها، من خضراوات وفواكه وحبوب مختلفة، وتتغير المحاصيل في الشتاء فيتناولها الناس في وقتها أيضا. لم يعرف الناس في الماضي تناول أغذية فصل الصيف في فصل الشتاء مثلا. ومن المؤكد والموثق أن الناس في الماضي لم يعرفوا السمنة مرضا ولا زيادة الوزن كمشكلة مؤرقة.

     

في الماضي كان الانسان يتناول البطيخ صيفا ليروي عطشه ويعوض عرقه، والبرتقال شتاء بما يحتويه من فيتامينات تقيه من أمراض البرد كاحتياج وترتيب متبادل بينه وبين الطبيعة التي تهبه الشيء المناسب في زمانه ومكانه المناسبين. لكن أنظر الى العالم اليوم.. فواكه البرازيل الاستوائية وفواكه أوربا الباردة ترد الى أسواق الخليج في نفس الوقت.. ولم تعد الفواكه ترياقا ودواء ووقاية لتقلبات الجو في فصل ما، بل أصبحت متاحة طول الوقت في ارباك للجسم فيما ينبغي أن يتناوله في وقت ما. فأصبح تناول الطعام نوعا من الرفاهية وليس تحقيقا لاحتياج.

وليس التوقيت فقط هو العامل الهام في التوازن والتكامل والتناغم بين الانسان والطبيعة، بل هناك عامل المكان الذي يرتبط به الانسان. فقد قرر العلماء أن أعشاب مكان ما تكون مناسبة تماما لأمراض أهل هذا المكان، ليس هذا فقط بل أن نفس العشب لا يفيد مريض من مكان ما اذا ما أستحضر من مكان آخربعيد عن موطنه.

ولنأخذ هنا مثلا محددا في علاقة الانسان بموطنه في حالة الصحة والمرض. اذ ثبت أن الهجرة من مكان لآخر تتسبب في زيادة نسبة الاصابة بأمراض لم تكن معروفة قبل الهجرة.. في أمريكا أكثر أنواع السرطانات انتشارا هو سرطان الجلد، والسبب ببساطة هو أن المهاجر الأوربي لأمريكا له جلد لا يحتوي على دفاعات ضد أشعة الشمس مثل تلك التي يمتلكها سكان أمريكا الأصليون (الهنود الحمر) لذا فان جلد هذا المهاجر يصاب بالسرطان لتعرضه لشمس أقوى من شمس بلاده الأصلية (أوربا) حيث لا يحتاج جلده الى أي دفاعات من الخلايا الملونة للبشرة (الميلانين).

وعودة الى موضوع السمنة وزيادة الوزن، فان بلدا مثل أمريكا أصبح يعج بأنواع مختلفة من المأكولات الزاحفة الى العالم الجديد من مختلف بلدان العالم القديم. والعجيب مثلا أن الايطاليين مثلا يأكلون البيتزا والمعجنات في بلادهم فلا يصابون بالسمنة، أما الأمريكان فهم يأكلون البيتزا والمعجنات فيزيد وزنهم وتعم السمنة بينهم حتى تصبح وباء يصيب أكثر من 40 % منهم. ويأكل اليابانيون وغيرهم من سكان آسيا الأرز الذي تنتجه بلادهم فلا يصابون بالسمنة، بينما يصاب بالسمنة من يأكلون من هذا الأرز في بلاد أخرى.

اذن فالغذاء الذي تنتجه الأرض التي تسكنها هو الذي يناسب جسمك واحتياجاته تماما، والفصول المختلفة تنتج أغذية مختلفة يحتاجها جسمك في هذا الوقت بالذات. ونخلص من هذا الى الاهتمام بالغذاء المحلي الطازج، فتكون محاصيل الصيف التي تنتجها أرضنا لاستهلاك الصيف ومحاصيل الشتاء لاستهلاك الشتاء. فنحن وأجسادنا جزء من منظومة كبيرة متكاملة تشملنا ممن الكون كله، في تناغم هام مع المكان والزمان والنبات والحيوان والهواء والماء والضوء والظلام والليل والنهار والبرد والدف.

والحل في نظرنا لمشكلة السمنة في دول الخليج هو في التعليم والاعلام، وتوعية الأسرة لمسئوليتها، وعودة دور الأم لتغذية أبنائها في مطبخ البيت، والابتعاد عن الأغذية السريعة، وتعميم خدمات طبية مبتكرة لمساعدة من يعانون من مرض السمنة مثل العيادات الالكترونية لعلاج السمنة التي تقدم النظم الغذائية الصحية لخفض الوزن على أساس شخصي بعد معرفة بعض المعلومات الطبية الشخصية للمريض، وذلك عن طريق الشبكة العنكبوتية (الانترنت).