الأرشيف

في الصين.. يعالجون السمنة بالشي كونج

المقالات  :  الجمعة 6 نوفمبر 2009

أصبح الوزن الزائد مشكلة العالم الصحية الأولى، بل أن البعض اعتبره وباء العصر. واهتم الأطباء والعلماء بايجاد حلول لهذه المشكلة العويصة ، كما راجت كثير من الأساليب التي تحاول مساعدة البشر في مقاومة هذا الوباء سريع الانتشار بسبب انتشار أنماط غير صحية من الغذاء والحركة . ودارت معظم الحلول لمشكلة الوزن الزائد حول تنظيم تناول الطعام من حيث النوع والكمية والتوقيت ، حتي يصبح الوارد من السعرات الحرارية مساويا للمنصرف بالنسبة للشخص الذي يريد ثبات وزنه ، وأقل من المنصرف لمن يريد أن يفقد وزنا. كما نصحت هذه الحلول زائدي الوزن بممارسة الرياضة في محاولة للتخلص من مزيد من السعرات الحرارية المختزنة على هيئة دهون، فيما تناولت عديد من الدراسات تغيير السلوك سواء الغذائي أو الحركي. لكنهم هناك في الصين، بلد الحضارات والعجائب والعلاج بالوخز بالابر والأعشاب ، يعالجون السمنة بنوع آخر من التدريبات التي لا يمكن اعتبارها بدنية فقط ، وهي تدريبات “الشي كونج”.

و”الشي كونج” هو نظام صيني للتدريبات البدنية والذهنية ، ويهدف الى تحسين الحالة الصحية للممارس سواء من الناحية الوقائية أو العلاجية . وبداية ، فان “الشي كونج” هي كلمتين باللغة الصينية ، أولهما وهى كلمة "الشي" تعني الهواء أو أنفاس الحياة ، أو الطاقة الحيوية ، بينما تعني الكلمة الثانية ، وهي "الكونج" ، العمل ، والانضباط وتحقيق السيطرة . وهذا الفن يجمع بين تدريبات تشبه تدريبات الايروبيكس ، والتأمل والاسترخاء . وهي اسلوب للتدرب على السيطرة على قوى الحياة التي تسري في الأجسام . وهناك أكثر من ثلاثة آلاف شكل من “الشي كونج” تنضوي تحت خمسة مدارس رئيسية هى : التاوية ، والبوذية ، والكوفشيوسية، والفنون العسكرية ، والطبية. وهكذا ، فان “الشي كونج” هى صورة لينة من الأساليب الرياضية ذات العلاقة بالفنون القتالية مثل الكونج فو . والحديث هنا بالطبع سيكون عن الصورة الطبية للشي كونج وهي ، مثل كل صورها الأخرى ، تنمي الطاقة الحيوية العليا للجسم و تجعل الانسان مسيطرا عليها . و هي نوع من النظام الفلسفي الصيني القديم الذي يجعل هناك تكامل متناغم بين الجسم الانساني والكون . و تقرر فلسفة “الشي كونج” أن الانسان غير منفصل عن الطبيعة بل هو جزء لا يتجزأ منها .

وتشتمل “الشي كونج” الطبية على تدريبات للتنفس مرتبطة بالتأمل . وتدريبات التنفس هي التي تحفز الانسان على الدخول في حالة التأمل والعكس صحيح . وخلال هذه التدريبات يصبح الانسان على وعي بما يدور حوله ولكن بدون تركيز شديد ، و يكون مسترخيا تماما لكنه ليس فاقدا للوعي . وفي حالة “الشي كونج” يتلاشي القلق وتذوب المشاكل ، و يتم استبدالها بأفكار ايجابية ، مع الشعور بالثقة الزائدة ، مما يؤدي الى تحسن في الحالة المعنوية العامة . وفي نهاية الأمر لا يكون هناك تشويش للذهن أو افكار محبطة أو قلق بل وضوح رؤية وأفكار منتصرة واستقرار نفسي عام . ومن خلال التأمل يكتسب الشخص احساسا بالرضى ، وهذا بدوره ينشط الدورة الدموية و الطاقة الحيوية أو قوة الحياة . فاذا كان الشخص مريضا ، فان وظائف جسده ستكون قادرة مع الوقت على العودة الى حالتها الطبيعية . أما اذا كان الشخص صحيح البدن فان احساسه بالنشاط والقوة يزداد .

تعرضت “الشي كونج” للقمع خلال ثورة الصين الثقافية (1965-1976) بواسطة الحزب الشيوعي والحرس الأحمر ، لكنها بدأت العودة التدريجية منذ عام 1978 . وفي عام 1980 كان الاهتمام بالشي كونج عارما . واليوم ، يمارس “الشي كونج” يوميا ما يزيد عن 70 مليون صيني ، بعضهم يفعل ذلك لعلاج مشكلة مرضية ، فيما يمارسها البعض الآخر من أجل الوقاية من الأمراض ، ومن أجل الشعور بالتحسن و زيادة القدرة على التحمل وابطاء الشيخوخة . و “الشي كونج” ليست فعالة بصورة كافية في مقاومة الصورة الحادة للمرض وفي حالات الطوارئ الطبية ، ولكنها تكون جيدة في الوقاية من المرض بصفة عامة وفي علاج الحالات المزمنة من الاعاقات الجسدية . ويسافر كثير من الغربيين الى الصين للعلاج بالشي كونج تأثرا بقصص المعجزات الشفائية التي يسمعونها. ولعل ذلك يبرر حقيقة أن ممارسة “الشي كونج” أخذت تغزو أمريكا الشمالية بسرعة .

ولقد وجد الصينيون أن “الشي كونج” وسيلة فعالة في علاج النهم للطعام و السمنة الناتجة عنه . ووسيلة ذلك أن هذا الفن الرقيق يحسن توارد الأكسجين الى خلايا الجسم ، ومن ثم يقلل الاجهاد ويحسن عمل الأمعاء، مما يقلل من الشهية للطعام . ومن ناحية أخرى فان "الشي كونج" تقوي الارادة وضبط النفس وهما الصفتان الضروريتان لكل من يريد أن يسيطر على وزنه ، أو يحافظ على صحته من الافراط في أي شيء .

وفي الواقع أن الأطباء الصينين يطبقون “الشي كونج” في المستشفيات والعيادات كجزء من علاج أشخاص يعانون من مختلف الأمراض . فبالاضافة الى السمنة والنهم للطعام والادمان ، تشمل القائمة الحساسية لأسباب مختلفة، والتهاب المفاصل ، والربو الشعبي ، ومشاكل الأمعاء ، والامساك و السكر و التهاب المعدة، والنقرس ، والصداع بأسبابه المختلفة و أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم . و يقول الأطباء الصينيون أن “الشي كونج” يمكن أن تعالج أمراض الكلى المزمنة ، وأمراض الكبد ، والام الظهر ، والدوار الناتج عن مرض في الأذن ، وقصر النظر ، وضعف الأعصاب، والشلل الناتج عن اصابات الأعصاب ، ومشاكل شبكية العين، والروماتيزم ، وعرق النسا ، والأرق ، و الاجهاد ، و آلام الرقبة ، والقروح وغير ذلك . كما يذهب الأطباء في الصين الى الادعاء بأن “الشي كونج” يمكن أن تعاج السرطان بنجاح ، وأن تقلل أو تلغي الآثار الجانبية الناتجة عن علاج السرطان بالاشعاع أو العقاقير الكيماوية. وتمتد قائمة الأمراض التي يساعد في علاجها “الشي كونج” الى عدم القدرة على الكلام ، والشلل الدماغي ، والشلل الرعاش ، كما تساعد في علاج أي نوع من الآلام المزمنة والأمراض المزمنة في الجهاز الهضمي والتنفسي والدوري والعصبي ، و العهدة على أطباء الصين .

وتعمل “الشي كونج” على زيادة حساسية الممارسين للعمليات الحيوية الداخلية لأجسامهم ، و ادراكهم بتوحد الانسان مع الطبيعة ، و هذا يسمح ببناء مقاومة لعدم التوازن الذي يغلق مسارات الطاقة في الجسم حسب الفلسفة الصينية . كما يدرك الممارسين عدم صحة فكرة الفصل بين الجسد و العقل ، اذ أن التكامل في العلاقة بين الجسد (المادة ، الشكل) والعقل (الفعل، الوظيفة) هو ما يعبر عنه بالطاقة الحيوية التي تهب الجسم الشفاء .