الأرشيف

الميلاتونين علاج لظاهرة النهم الليلي

المقالات  :  الثلاثاء 30 مايو 2006

الليل طويل .. تستلقي على فراشك غير قادر على النوم ، تفكر في شيء تأكله . أي شيء .. أعصابك مشدودة ، متوتر ، قلق ، غاضب ، ستأكل لعلك تشعر بأعصابك أكثر هدوءا وربما استطعت أن تنام في سلام .. وهكذا تنهض للإغارة الليلية المعتادة على الثلاجة .. والخيل والليل والثلاجة تعرفني . تصبح هذه العادة المتكررة مقترنة بالليل والنوم المتقطع . تأكل وأنت لا تشعر بالبهجة بل بالخزي والخجل مما تفعل وحدك في هدوء الليل .. بعد ذلك تعاني من زيادة الوزن ، فانت لاتأكل كثيرا بالنهار ، ولكنه الليل ، وآه من الليل .. وبالرغم من رغبتك في استعادة رشاقتك فان كل محاولاتك في مقاومة السمنة والتخلص منها تبوء بالفشل .

p>

يعتقد العلماء أنهم أصبحوا يملكون الدليل على أن النهم الليلي أو الرغبة في الأكل ليلا ، حيث يتناول من يعانون منه أكثر من 50 في المائة من طعامهم اليومي بعد الثامنة مساء ، ربما كان له علاقة بضغوط الحياة أكثر من الجوع أو العوامل العاطفية والنفسية الأخرى . وبالرغم من أن هذه الظاهرة ليست شائعة بين عامة الناس ، الا أن الدراسات أظهرت أنها موجودة في ربع عدد الأشخاص الذي يعانون من السمنة.

والحقيقة أن هذه الظاهرة معروفة وموضوعة على بساط البحث منذ أمد طويل ويتميز أصحابها بالتالي:
• عدم الاحساس بالجوع وانعدام الشهية أثناء النهار . عدم تناول وجبة الافطار وتأخير أول وجبة عدة ساعات بعد الاستيقاط ، مع الاحساس بالذنب مما تم تناوله الليلة الماضية .
• الأرق وصعوبة النوم ليلا .
• زيادة الشهية في الليل .
• التهام كميات كبيرة من الطعام في المساء معظمها بعد وجبة العشاء أكثر من خلال الوجبة نفسها ، ثم الاستيقاظ لتناوله حتى بعد الاستغراق في النوم حيث يكون الشخص مصابا بالأرق أو صعوبة النوم .
• تستمر الحالة أكثر من شهرين .
• الشعور بالتوتر والقلق .
• يعتقد أن هذه الحالة مرتبطة بالضغوط وغالبا بالاكتئاب حيث يصبح الانسان أكثر قلقا وتوترا وعصبية وغضبا في الليل ، مع الاحساس بالذنب والخجل من النفس أثناء تناول الطعام وليس المتعة .
• يميل الشخص إلى تناول الأطعمة الغنية بالمواد الكهربوهيدراتية مثل السكريات والنشويات .

وتختلف هذه الأعراض عن تلك التي تحدث في حالات النهم الأخرى التي تتميز بفترات قصيرة من الرغبة الشديدة في الأكل والتهام كل ما يقابله الانسان . فالانسان الذي يعاني من ظاهرة الأكل ليلا يأكل باستمرارية متواصلة في المساء والليل . وأسباب هذه الظاهرة لم يتم التعرف عليها بعد ، ويعتقد أنها نتيجة لتداخل عوامل بيئية وبيولوجية تؤثر على أصحابها فتجعلهم يعانون منها ومن تبعاتها .

وقد قام مؤخرا باحثون نرويجيون بدراسة التركيبة العصبية الهورمونية للظاهرة ، وقاموا بقياس معدلات هورمونات الضغوط في مجموعة صغيرة من النساء اللاتي يعانين من هذه الظاهرة مع مقارنتها بمجموعة طبيعية من النساء ، ثم قاموا بحقن المشاركات من المجموعتين بجرعة من الهورمون المثير لردة فعل جسدية مماثلة للتعرض لضغوط ، وقاسوا مستويات الهورمونات المنشطة للأدرينالين والنورأدرينالين والكورتيزول كنتيجة لهذا الحقن . في مجموعة اللاتي يأكلن ليلا كانت النتيجة ضعف معدلات الاستجابة ، وهذه النتائج التي نشرت في فبراير 2002 في “المجلة الأمريكية للفسيولوجي والغدد الصماء والميتابوليزم” تقترح أن ردة فعل غير سليمة للضغوط ، تتميز بانخفاض في مستويات هرمونات الانفعال ، قد تكون هي السبب لظاهرة الأكل ليلا ، كما توضح أن مستوى هورموني الميلاتونين والليبتين كان منخفضا في دم من يأكلون ليلا . ومن المعروف ان وظائف غير طبيعية للغدة النخامية قد وجدت بالفعل في حالات مرضية أخرى مثل الأرق ومرض التعب المزمن ، والأمراض النفسية المتعلقة بتناول الطعام ، واضطرابات المزاج الأخرى .

وهكذا فان هذا البحث يثبت أن غارة منتصف الليل على الثلاجة ليست نتيجة لمعدة جائعة ، بل بسبب فشل الجسم للاستجابة السليمة للضغوط النفسية ، يستتبع ذلك تأثيرات نفسية وجسدية غير صحية بالطبع أولها السمنة وعدم قيام الجسم بوظائفه الطبيعية براحة .

ولقد وجد الباحثون أن الآكلين ليلا يختارون المواد الكربوهيدراتية مثل السكريات والنشويات بالأكثر لأنها تحفز المخ لافراز ما يسمي بكيماويات الاحساس الجيد ، فيبدو أن الأكل ليلا هو محاولة تلقائية للعلاج الذاتي من مشاكل انحراف المزاج .

وظاهرة الأكل ليلا يمكن أن توجد في عديد من أفراد العائلة الواحدة ، ولها علاقة وطيدة باضطراب الساعة البيولوجية ( انتظام ايقاع عمل أعضاء الجسم ليلا ونهارا خلال 24 ساعة) ، حيث أن المفروض أن تقل الرغبة في تناول الطعام عندما يكون الانسان نائما ، ولكن في حالتنا هذه فان الرغبة في تناول الطعام تكون عادية حتي أثناء النوم .

ومن الطريف أن بعض العلماء يعتبرون ظاهرة النهم الليلي حالة نادرة من ظاهرة المشي اثناء النوم أو هي حالة من الخلل في الاستثارة ، حيث أن المصابين بها قد يأكلون دون أن يدروا ماذا هم فاعلون ، فقط يجدون أجسامهم وقد ازدادت وزنا . وهي ظاهرة يمكن أن تصيب كل الأعمار والأجناس ولكنها تكون واردة بنسبة اكبر في النساء الصغيرات .

علاج حالة النهم الليلي

وجد الباحثون أن حالة الأكل ليلا وأثناء النوم تستجيب للعلاج بمثبطات استعادة السيروتونين والتي تؤدي الى زيادة نسبة السيروتونين في الدم . وفي تجربة علمية ثبت أن 29 % من المصابين بحالة الأكل ليلا شعروا بتراجع كامل للأعراض ، بينما تحسن 18 % بطريقة ملحوظة ، وقل الاستيقاظ ليلا بنسبة 60 % والأكل ليلا بسنبة 70 % ، كما قل عدد السعرات التي تم تناولها بعد وجبة العشاء بنسبة 40 % .

وحيث أن الأبحاث اقترحت أن هناك انخفاظا ملحوظا في هورمون الميلاتونين خلال الليل في الآكلين ليلا أكثر من الأشخاص العاديين الذين لا يعانون من هذه الحالة ، حيث أن مستوى الميلاتونين يرتفع طبيعيا خلال الليل لكي يحافظ على استمرارية النوم مما يفسر لماذا يستيقظ أصحاب هذه الظاهرة كثيرا خلال الليل ، فان استخدام الميلاتونين في علاج هذه الحالة يصبح طبيعيا ومرغوبا . كما أن تناول الحمض الأميني “تربتوفان” سيساعد بصورة كبيرة في علاج الحالة حيث أن تناول الكربوهيدرات يكون بغرض زيادة نسبة التربتوفان الذي ينقلب في الجسم الى مادة السيروتونين التي تهديء المخ ، وتبعث احساسا بالرضي والابتهاج ، وتنقلب مادة السيروتونين بدورها الى مادة الميلاتونين التي تحافظ على استمرارية النوم.

وهكذا يا أيها الباحثون والباحثات عن الرشاقة ، فإن إنتظام ساعات النوم قد يكون هو الحل ، مع ضبط الساعة البيولوجية . ولكن يجب أن نتذكر أيضا أننا قد نساهم عن دون قصد في احداث هذه الحالة التي تربك الصحة وتتلف الرشاقة اذا ما اسرفنا في النوم صباحا ونهارا ، مما يؤدي الى صعوبة النوم ليلا ، فلا نجد ما نفعله للتسرية على أنفسنا سوي الاغارة على الثلاجة بعد منتصف الليل !