الأرشيف

الثوم بين مصاصي الدماء وطبق الثريد

المقالات  :  الجمعة 20 أكتوبر 2006

مسكين أنت أيها الثوم .. مظلوم مع البشر .. عندما يريد رجل ما أن يفاخر بمهارة زوجته في الطبخ فانه يتباهي بقدرتها على اعداد طبق الفتة (الثريد) بالخل والثوم الذي تسافر رائحته الى بيوت الجيران ، ونفس الرجل عندما يريد أن يشكو اهمال امرأته لمظهرها وجمالها مبررا انصرافه عنها لامرأة أخري فانه يستخدم الثوم ورائحته في التدليل على هذا الاهمال .. ريحتها ثوم وبصل . وهكذا .. عندما يريد الرجل أن يتدلل على امرأته يطلب منها اعداد طبق باذنجان بالثوم والخل أيضا ، وعندها يريد ان يعبر عن زهقه منها تصبح رائحة الثوم في يديها هي السبب والمبرر.

 

ولعل رائحة الثوم النفاذة هي التي رشحته بطلا للأساطير كطارد لمصاصي الدماء وأشهرهم دراكيولا لقرون عديدة فكان يعلق على النوافذ والأبواب للحماية ومنع دخولهم . وترجع هذه الرائحة النفاذة والمميزة للثوم الى مركبات اليل السيستين الكبريتي وايثل السيستين الكبريتي وبروبيل السيستين الكبريتي المتركزة بشكل طبيعي في فصوص الثوم بالرغم من أن مستخلصات الثوم المعمّر الخالية من الرائحة الكريهة تحتوي على نفس هذه الكيماويات المتركزة في مستخلصات الثوم الطازج.

 

زرع ملك بابل الثوم في حدائقه المعلقة الشهيرة كواحدة من عجائب الدنيا في القرن الثامن قبل الميلاد ، كما ذكره الحكيم كونفشيوس في كتبه ، وطبخ الصينيون خراف قرابينهم بالثوم لكي يجعلوها أكثر ترضية لآلهتهم . أما في مصر القديمة فقد أحب المصريون الثوم وقدسوه بل عبدوه متخذينه الها . وهناك بردية مصرية قديمة منذ 1500 سنة قبل الميلاد تنصح بتعاطي الثوم لعلاج 22 مرضا . ومن المعروف أن غذاء بناة الأهرام كان يشتمل على البصل والثوم .

 

ويذكر التاريخ أن الفايكنج والفينيقيين كانوا يبحرون ومعهم مخزون لاحتياجاتهم من الثوم ، كما كان الغزاة الصليبيون من أدخل الثوم الى أوربا . واعتقد اليونانيون القدماء في فائدة الثوم العظيمة فقال “أرسطو” أن الثوم في طعام الرياضيين والجنود يزيد من شجاعتهم ، كما ادعى “فيرجيل” أن الثوم يقوي المزارعين ويحافظ على حيويتهم . ووضع فرسان السباق في المجر فصوصا من الثوم في لجام خيولهم لكي يجلب لهم الحظ الجيد للفوز . وفي أسبانيا يحمي مصارعو الثيران أنفسهم من قرون الثور بارتداء عقدا مصنوعا من فصوص الثوم حول أعناقهم .

ولمدة 4000 سنة كان للثوم شهرة على مستوى العالم في الحياة الانسانية اليومية فكان يستخدم كغذاء ودواء . كما كانوا يستعملونه في روما كطارد للعقارب وعلاج لعقر الكلاب والتهاب المثانة وعلاج للبرص والربو ، واستخدم الثوم في العصور الوسطى للوقاية من الطاعون .

وبعيدا عن الأساطير أثبتت الأبحاث الحديثة أن أسلافنا كانوا على حق عندما اعتقدوا في فوائد الثوم . العالم الفرنسي “لويس باستير” هو أول من أثبت أن الثوم يقتل البكتيريا في عام 1858 . وفي خلال الحرب العالمية الثانية عندما كان البنسلين والسلفا صعبا المنال استخدم الثوم كمطهر ومعقم للجروح المفتوحة للوقاية من الاصابة بالغنغرينة بالرغم من عدم معرفة كيفية حدوث هذا التأثير . وحددت الدراسات الحديثة عدة مئات من مركبات الكبريت الطيارة في نبات الثوم . والمدهش أن طريقة اعداد الثوم لها دخل كبير في خواصه العلاجية ، فعندما يقطع فص الثوم أو يدق فان انزيما موجودا في خلايا النبات يتحد مع حمض أميني مكونين مركبا جديدا يدعى “ألليسين” وجد أنه يقتل 23 نوعا من البكتيريا بما فيها “السالمونيلا” و البكتيريا العنقودية . وعندما يسخن الثوم فان مركبا جديدا يتكون له قدرة على منع انسداد الشرايين ، وخفض ضغط الدم والكوليسترول وأيضا يقي من الأزمات القلبية والسكتات الدماغية .

 

والثوم يزيد مقاومة الجسم للسرطان لأنه يحتوي على فيتامينات A,B,C,E وهي تحفز الجهاز المناعي للتخلص من السموم ومسببات السرطان . ولنفس السبب أيضا يمكن أن يكون للثوم فائدة في علاج مرض نقص المناعة المكتسبة (الأيدز) . وأظهرت دراسات مختلفة أن الذي يتناولون كمية كبيرة من الثوم في طعامهم تقل عندهم نسب الاصابة بسرطان المعدة .ويمكن للثوم أن يقتل 60 نوعا من الفطر والخمائر من بينها المسببة لالتهاب القدم الرياضية الفطري وأيضا التهاب المهبل لدى النساء ، حيث ان استعمال فص واحد موضعيا يمكن أن يفوق تأثير معظم المراهم أو الأقماع المستخدمة في علاج هذه الحالة بالاضافة لانخفاض تكلفته .

 

ويقول الخبراء أن الكمية المطلوبة من الثوم للاستهلاك يوميا تتراوح بين فص الى 10 فصوص ، كما أنهم يقررون أن الثوم الطازج أكثر فائدة من المستخلصات .ولكن هل الثوم كله فوائد ؟ بعض الناس يعانون من الحساسية ضد الثوم ، بينما يعانون البعض من مضايقات في الجهاز الهضمي عند تناوله ، ولكن أكثر مضايقات الثوم هي في رائحته التي قد تؤذي من حولك ، ولهذا السبب ينصح دائما بمضغ بعض أعواد المقدونس أو بعض حبوب الشمر ، كما يمكن تناول تفاحة أو مضغ أوراق النعناع أواستحلاب القرنفل وبالطبع يمكن استخدام أنواع اللبان ذات الطعم القوي الذي يغطي على الرائحة غير المستحبة عموما .

المواد الفعالة في الثوم
الثوم نبات عشبي يحتوي على :
– 61-66% من الماء .
– 3-5.5% بروتين .
– 23-30% نشويات .
– 3.5% ألياف .
– زيت طيار مركباته الأساسية هي اللين (Allin) و اللينيز (Alliinase ) و اليسين ( Allicin )
– سكوردنين ( Scordinins ) سيلينيوم ( Seiennium )
– فيتامينات A,B,C,E . وأملاح معدنية وخمائر ومواد مضادة للعفونة ومخفضه لضغط الدم ومواد مدرة لإفراز الصفراء وهورمونات تشبه الهرمونات الجنسية ، ويوجد الثوم في فصوص مغلفة بأوراق سيلليوزية شفافة تحفظها من الجفاف ويجب ازالتها قبل الأكل .

 

أبحاث حديثة ضد السرطان
في دراسة حديثة عرضت أمام الجمعية الأمريكية لبحوث السرطان في فيلادلفيا أكد الباحثون في قسم التغذية بجامعة نورث كارولينا بعد دراسات على أكثر من مائة ألف شخص أن المنتظمين منهم في تناول الثوم تكون معدلات الاصابة بسرطان المعدة والقولون لديهم أقل من غيرهم بنسبة 50 % ، وقرر الباحثون أن تناول 18 جراما من الثوم هو وقاية جيدة من السرطان أي ما يوازي أكل 6 فصوص .كما وجد الباحثون أن احتواء الثوم على مركبات كبريتية قابلة للذوبان في الماء هو المسئول عن تقليل معدلات الكوليسترول العاليةفي الدم . وينصح الأطباء بترك الثوم مهروسا بعض الوقت قبل طهيه حتى يطلق الانزيم الكامن فيه والذي يسمح للمواد الكيماوية الموجودة في الثوم بالتفاعل وهي التي تملك الخصائص المضادة للسرطان ، لذا يجب أن يهرس الثوم ثم يترك حوالي 10 دقائق قبل طهيه بالنار حتي تكتمل الفائدة .

 

ومن المعروف علميا أن الثوم يساعد على تخفيض ضغط الدم المرتفع كما يساعد على تخفيض مستويات السكر في الدم وله فوائد متعلقة بالقلب والشرايين، ويمكنه تخفيض مستوى الكوليسترول كما بينت بعض الدراسات أنه بتناول الثوم انخفض الكولسترول السئ LDL بنسبة 16% وزيادة مستوى الكولسترول الحميد HDL . بعض مشتقات الثوم التي تمتاز بخواصها الكيمائية تساعد على منع التجلطات الدموية ، كمايعمل على تنظيم ضربات القلب. وأكد الباحثون أيضا أن الأشخاص الذين يتناولون يوميا أقراص أو حبوب من خلاصة الثوم يكونون أقل عرضة للاصابة بنزلات البرد والزكام بنسبة النصف .

 

وثبت أخيرا أن الثوم والخل المضافين الى الفتة (الثريد) المزدانة بقطع اللحم المسلوق أو المحمر “الهبر” يقللان من الكوليسترول الذي قد يوجد باللحم أو بدسم المرق ، وهما بذلك يكونان الترياق الذي يعالج الضرر المحتمل ، لذا فان العبقري الأول الذي أضافهما للفتة واللحم كان ملهما بكل أمور الطب والصحة والوقاية من المرض وعالما بقدرة الثوم ومعه الخل على الوقاية من الآثار الضارة لدهون اللحم .